عثمان بن جني ( ابن جني )

32

الخصائص

ويرى أولمان أن علم الأسلوب يمكن أن ينقسم إلى نفس مستويات علم اللغة . ولو تقبلنا الرأي القائل بحصر مستويات التحليل اللغوي في ثلاثة هي : الصوتي ، والمعجمى ، والنحوي لأصبح بوسع الصوتي الذي يبحث في وظيفة المحاكاة الصوتية وغيرها كثير من الظواهر من الوجهة التعبيرية . وسنجد حينئذ أن علم الأسلوب مثله في ذلك مثل أخيه الأكبر يتسع لمنظورين متبادلين فكما يقول " جسبرسن " إن أية ظاهرة لغوية يمكن أن يتم تناولها من الخارج أو من الداخل ؛ أي : من ناحية الصيغة أو من ناحية الدلالة ففي الحالة الأولى نتناول الجانب الصوتي للكلمة أو للعبارة ثم نتأمل الدلالة المنبثقة منه ، أما في الحالة الثانية فإننا ننطلق من المعنى لنتساءل عن التعبيرات الشكلية التي تؤديه في لغة معينة أو عند مؤلف خاص وهذا ما كان يسميه " داماسو ألونسو " بعلم الأسلوب الداخلي والخارجي . فالكلمات يمكن أن تخضع للبواعث المحركة لها فتصبح شفافة أو معتمة ويتم هذا على مستويات صوتية وصرفية ودلالية . ولكل منها نتائج أسلوبية بارزة ، فالباعث الصوتي يتمثل - عند " أولمان " - في إحدى إمكانيتين : فإما أن تكون البنية الصوتية للكلمة محاكاة لصوت أو ضجيج معين مثل قرقرة وثأثأة ومواء وغيرها وهي المحاكاة المباشرة ، وإما أن تثير الكلمة بصوتها تجربة غير صوتية ، وهي محاكاة غير مباشرة وتدخل هذه المحاكاة الصوتية بما تستثيره وتؤدى إليه في النسيج الشعرى نفسه . وبالرغم من أن بعض الدارسين ينبهون إلى ضرورة التحديد الدقيق لطبيعة هذه الإيحاءات حتى لا تظل خاضعة للمزاج المتقلب إلا أن هذا المجال يعد من أنشط وأبسط مجالات الدراسة الأسلوبية " " 1 " . لقد آثرنا نقل هذا النص بطوله لأنه يبين لنا كيف أن دراسة الدلالة الصوتية ما هي إلا قطعة من تلك المنظومة الشاملة للدلالة العامة في نص ما " 2 " ؛ والتي ينبغي أن يبدأ فيها بتحليل الدلالة الصوتية أولا لأنها هي اللبنة الأولى في منظومة الدلالة ، ولأنها هي التي تخلق المعنى المعجمى للكلمة بعد ذلك ، وتعطى لكل كلمة قيمة خلافية فارقة لها عن غيرها من الكلم .

--> ( 1 ) انظر د / صلاح فضل ، علم الأسلوب ص 138 - 140 . ( 2 ) يذهب " ويلك " إلى أن البحث الأسلوبى لا بد أن يستند إلى النحو بكل فروعه : الأصوات ، والتحليل الصوتي والصرف ، والتراكيب ، والمعجم ، بالإضافة إلى الدلالة .